صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
239
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
المشركون بسجود المسلمين « 1 » . وقد اعترض على هذه القصة عدد كبير من أفاضل العلماء والنقاد « 2 » . والحق أن هذه القصة تصطدم بنصوص القرآن الكريم « 3 » . وعصمة النبوة في قضية الوحي « 4 » ، وتتعارض مع عقيدة التوحيد وهي الأصل في العقيدة الإسلامية . محاولة قريش استرداد المهاجرين المسلمين : بادرت قريش بعد الهجرة الثانية وفشلها في منع المسلمين من الهجرة ، ونتيجة تخوفها من انتشار الدعوة الإسلامية ، فأرسلت وفدا مؤلفا من عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة ، ومعهما الهدايا إلى النجاشي وبطارقته ، بهدف إعادة من هاجر من المسلمين إلى مكة . وحاول الوفد إقناع البطارقة عن طريق الهدايا ، وعن طريق تصوير المهاجرين المسلمين لهم بأنهم « غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وأنهم جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم . . » « 5 » ، وبيّتوا الأمر مع البطارقة على أن يشيروا على النجاشي بأن يسلمهم إليهم ولا يكلمهم ، غير أن النجاشي رأى ضرورة أن يتحرى الأمر بنفسه فدعا المسلمين وطلب منهم توضيح حقيقة دينهم ، فانبرى جعفر بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - . وتكلم نيابة عن إخوانه المهاجرين كما سبق وأسلفنا ، قائلا : « أيها الملك : كنا قوما على الشرك ، نعبد الأوثان ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، ولا نحل شيئا ولا نحرّمه . فبعث اللّه إلينا نبيّا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد اللّه وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ونحسن الجوار ، ونصلّي ونصوم ، ولا نعبد غيره » وحين طلب النجاشي من جعفر أن يقرأ عليه شيئا مما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قرأ عليه صدر « سورة مريم » ، فبكى النجاشي ومن معه من أساقفته وقال : « إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى ، انطلقوا راشدين » . وأقسم بألّا يسلمهم لقريش أبدا « 6 » . ورغم فشل المحاولة فقد أثار عمرو بن العاص في اليوم التالي موقف الإسلام من عيسى ابن مريم ونظرة المسلمين إليه بزعمه ، وذكر للنجاشي بأنهم يقولون في عيسى قولا عظيما . فسألهم النجاشي فقال جعفر : نقول فيه « هو عبد اللّه ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول » . فقال النجاشي : « ما عدا عيسى ابن مريم مما
--> ( 1 ) روى هذه القصة ابن سعد في طبقاته 1 / 205 - 206 ، عن طريق الواقدي وهو ضعيف جدّا ، والطبري في التفسير وفي إسناده أبو معشر وهو ضعيف ، والبيهقي في دلائل النبوة 2 / 285 - 287 وإسناده ضعيف ، ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة . ( 2 ) نذكر منهم الحافظ ابن كثير في تفسيره ( 3 / 229 ) ، والقاضي عياض في الشفا ( 2 / 750 وما بعدها ) ، وابن حجر ( فتح الباري 18 / 41 ) ، وللشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة عنوانها « نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق » خرّج فيها أحاديثها وحكم عليها بالضعف والبطلان وقد فسر الألوسي سبب سجود المشركين بما اعتراهم من خوف ودهشة وهم يستمعون إلى أخبار هلاك من سبقهم من الأمم السابقة . انظر : روح المعاني ( 17 / 189 ) الطبعة المنيرية . ( 3 ) القرآن الكريم - سورة النجم ، الآية / 23 ، سورة الحجر ، الآية / 42 ، سورة ص ، الآيات / 82 - 83 ، سورة النحل ، الآية / 99 . ( 4 ) ناصر الدين الألباني - نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق ، أبو شهبة - السيرة النبوية 1 / 364 - 374 . ( 5 ) ابن إسحاق - السيرة والمغازي / 213 - 217 ، ابن هشام - السيرة 1 / 289 - 93 . ( 6 ) ابن هشام - السيرة 1 / 289 - 293 .